دخل ملك ليون، وكان قد استعد لمهاجمة قشتالة، في اتصالات مع يعقوب المنصور، بحيث طلب منه أن يمده بفيلق يعينه على مهاجمة العدو من جهة “تيرا دي كامبوس” Tierra de Campos، وما أن تلقى هذا الدعم حتى هاجم “بولانيوس” Bolanos و”بيالون” Villalon و”فرشية” frechilla. وتتحدث المصادر المسيحية عن الخسائر الفادحة التي تكبدها القشتاليون والتي مردها أعمال النهب التي قام بها الليونيون في الأراضي الفلاحية الدانية قطافها، والموحدون في الكنائس والأديرة.

         وعند وصول ملك ليون إلى كاريون Carrion، قرر حسب مؤلف “التاريخ اللاتيني” إلغاء الولاء الذي يدين به لملك قشتالة، والذي كان قد أعلنه في احتفال رسمي أقيم في بلاط “كاريون” عام 1188م، حيث قبل فيه يد ألفونسو الثامن، والذي ألبسه في المقابل، وحسب التقليد الجاري به العمل آنذاك، لباس الفرسان.

         وقد واصل المسلمون والليونيون تقدمهم إلى أن وصلوا إلى “بياسيغرا” Villasigra ، في وقت أصبحت فيه  كل المنطقة الجنوبية الغربية من قشتالة تحت رحمتهم، ومما زاد الوضع تأزما بالنسبة للقشتاليين، خروج ملك نبرة، “سانشو الفورتي” Sancho El Fuerte ضد المنطقة الشمالية من مملكتهم، حيث توجه إلى صورية و”ألماثون” Almazonوقام حسب مؤلف “التاريخ اللاتيني”: “بقتل وحرق ونهب كل ما وجد أمامه”. ويضيف هذا المصدر أن “سانتشو الفورتي” شيد في “لوغرونيو” Logroño، وبالضبط بجوار المنطقة الفلاحية التي تكسوها دوالي العنب، حصنا أطلق عليه اسم حصن الغراب، أراده قاعدة عسكرية ينطلق منها في غزواته ضد العدو.

   كل هذا جعل مملكة قشتالة تعيش وضعية حرجة، لدرجة أصبح معها العثور على مكان آمن داخل ترابها أمراً صعباً، غير أن المدد أتاها من حيث لم تكن تحتسب، أي من جهة الشرق؛ ففي شهر أبريل 1196م ومع بداية الحملة الموحدية-الليونية ضد قشتالة، توفي ملك أراغون ألفونسو الثاني عدو قشتالة اللدود، آنذاك سعت أرملته “سنشا” Sancha وهي في الوقت ذاته خالة ألفونسو الثامن التي كانت تكن له وداً كبيرا، سعت أن يقيم ابنها بيدرو الذي اعتلى عرش أراغون، تحالفا مع ابن خاله ملك قشتالة الذي أمده بالأموال اللازمة التي سمحت له بتجهيز جيشه والالتحاق به على وجه السرعة. ولم يستطع هذا التحالف في البداية شيئا أمام هجمات الموحدين والليونيين والنبريين، باستثناء النجاح النسبي الذي حققته حامية “آبلة” في مناوشاتها ضد الموحدين.

    لكن بعد ذلك، وكان فصل الصيف قد انصرم نصفه، عقد ملك قشتالة وآراغون مجلسا حربيا تدارسا فيه الوضع القائم، والذي قررا على ضوئه وضع مخيمهما بجوار “آبلة” وبالضبط في “بالميرا دي الريو” Palmera de Rio Frio، وهو مكان بالإضافة إلى مناخه الصحي المعتدل، يمكن انطلاقا منه وبسهولة، تقديم النجدة للفصائل المحتمية من الخطر الموحدي بالمدن والقلاع الواقعة جنوب وادي الرملة و”كريدوس” Gredos، وفي نفس الوقت إيقاف تهديدات الليونيين ومنعهم من القيام بأعمال النهب والتخريب على هواهم.

التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة عبدالواحد أكمير، منشورات الزمن، الطبعة الثانية، 2014.