كانت الممالك الإسبانية الكبرى في أواخر القرن العاشر الميلادي / الرابع الهجري ثلاثا، هي ليون ونافار وقشتالة، وكانت ليون أكبر الممالك. لكن بعد هذا التاريخ تغيرت أحوال هذه الممالك وغدت نافار من أكبرها وأوسعها رقعة، فشملت إضافة إلى ولاية نافار الأصلية، ولايات كنتبرية وسوبرابي ورباجورسا في جبال ألبرت. واستطاعت في عهد ملكها شانجة غرسيه الثالث والملقب بالكبير (391-426هـ / 1000-1035م) أن تضم إليها كل من مملكتي قشتالة وليون. وهكذا اتحدت ممالك إسبانيا المسيحية في الشمال، في الوقت الذي سادت فيه التفرقة في الأندلس نتيجة لقيام العديد من دول الطوائف. ولكن لم تستمر وحدة ممالك النصارى في الشمال بعد وفاة شانجة الكبير، لأن هذا الملك كان قد قسم المملكة قبل وفاته بين أربعة من أولاده. فخص غرسيه بنافار، وفرناندو بملك قشتالة وليون، وراميرو بإمارة أراغون، وهي رقعة ضيقة تمتد بحذاء نافار من باب شيزروا جنوبا، وأعطى كونزالو Gonzalo  منطقة أخرى من أواسط جبال ألبرت. وقد أدى هذا التقسيم إلى قيام حروب أهلية عديدة من بين هذه الممالك ولكن ما إن انتهى هذا الصراع الذي نشب بين أبناء شانجة الثالث، حتى ابتدأ فرناندو الأول، ملك قشتالة وليون، الذي تسميه الرواية الإسلامية، فرانده أو فردلند، بالاعتداء على أراضي المسلمين، فهاجم مدينة بازو Vizeu الواقعة إلى جنوب من نهر دويرة واحتلها، كما هاجم معظم دول الطوائف، ولا سيما مناطق طليطلة وإشبيلية وبطليوس، وأخيرا احتل مدينة قلمرية  Coimbra وهي من أعظم القواعد الإسلامية في شمال غرب الأندلس، حيث سقطت بيده عام 456هـ / 1064م. وهكذا نرى كيف أحرزت إسبانيا النصرانية تفوقها الواضح على أهل الأندلس في زمن فرناندو الأول، الذي يعد من أعظم ملوك إسبانيا. وقد مهد حكمه المليء بالانتصارات الطريق للملوك الاخرين. وفي عهده اتسعت رقعة مملكة قشتالة اتساعا عظيما، وتوسعت حدودها جنوبا وشرقا وغربا على حساب الأراضي الإسلامية.

   وقد سار ألفنسو السادس (465-502هـ / 1072-1109م) على نهج والده فرناندو الأول في توسيع رقعة الممالك النصرانية، وذلك بعد أن خلا له الجو بالسيطرة على الحكم في قشتالة وليون وجليقية. وقد وضع الفونسو السادس نصب عينيه الاستيلاء على مدينة طليطلة التي كانت تُحكم آن ذاك من قبل بني ذي النون. ومن الجدير بالذكر أن هذا الملك كان قد أقام ما يقارب التسعة أشهر في طليطلة ضيفاً على المأمون ابن ذي النون. ولكن عندما واتته الفرصة بعد توليه الحكم، خان واجبات الضيافة، وحاصر المدينة التي أكرمته وآوته حين الشدة واستولى عليها عام 478هـ / 1085م. وقد كان لسقوط طليطلة بيد النصارى تأثير عميق في ميزان القوى في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث ظهر تفوق إسبانيا النصرانية واضحا في المجالين السياسي والعسكري. واتخد ملك قشتالة على إثر هذا الانتصار، لقب إمبراطور أو “الإمبراطور ذي الملتين” الإسلامية والنصرانية. ومما يذكر أن الطابع الصليبي كان واضحاً في حصار طليطلة والاستيلاء عليها، فقد اشترك إلى جانب جنود قشتالة وليون، قوات من أرغون، ومتطوعون ومغامرون من فرنسا وغيرها، قدموا للاشتراك في هذا المشروع الذي يهم النصرانية كلها.

   ونتيجة لسقوط طليطلة، أدرك ملوك الطوائف حقيقة موقفهم وفرقتهم وشعروا بخطر الفناء، فاستعانوا بالمرابطين في شمال أفريقيا. وقد استجاب أمير هؤلاء، يوسف ابن تاشفين، إلى نداء المسلمين في الأندلس. وبعبوره تغيرت الأحوال، ودارت معارك بين المرابطين والأندلسيين من جهة والقشتاليين من جهة أخرى. وكانت موقعة الزلاقة سنة 1086م، دون أن يخلف ألفونسو السادس وريثا للعرش، حيث قتل ابنه الوحيد في معركة اقليش، فاضطر إلى أن يوصي إلى ابنته أوراكة   Urraca بتولي عرش مملكة قشتالة وليون واشتوريش.

دراسات أندلسية، عبد الواحد ذنون طه، منشورات دار المدار الإسلامي-بيروت، 2004، الطبعة الأولى.