كانت سفارة يحيى بن الحكم الغزال إلى ملك النورمان بسبب حدث شغل قرطبة حينها هو هجوم النورمان. وكان هذا الهجوم قد حدث في أيام الأمير عبدالرحمن الأوسط فأصاب الناس ما أصابهم من الخوف والذعر وكان من نتيجته فرارهم من أمام المهاجمين وإخلاء اشبيلية، وقد تمخض عن ذلك استنفار أهل قرطبة والمدن القريبة منها لأجل صد هذا الهجوم ومواجهته، وراح الوزراء يقودون الناس في تلك المواجهة مع النورمان المجوس في قرطبة والمدن الأخرى المجاورة.

وعن هذا الأمر تحدث أبو الفداء قائلا:”ٌفي سنة ثلاثين ومائتين في هذه السنة خرجت المجوس في أقاصي بلد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين، وجرى بينهم وبين المسلمين بالأندلس عدة وقائع انهزم فيها المسلمون وساروا يقتلون المسلمين حتى دخلوا حاضرة إشبيلية ووفاهم عسكر عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ثم  اجتمع عليهم المسلمون من كل جهة فهزموا المجوس وأخذوا لهم أربعة مراكب بما فيها. وهرب المجوس في مراكبهم متجهين إلى بلادهم”.

ولم تكن هجمات هؤلاء النورمان موجهة ضد الأندلس فحسب، بل شملت العديد  من الأراضي الأوروبية. فقد هجموا على إنجلترا وأراضي الدولة الكارولنجية وغيرها من مناطق أوروبا. وكان شارلمان  شديد الاهتمام بإقامة علاقات حسنة مع قادتهم، وكانت خطتهم بالهجوم تتركز في الاستيلاء على ميناء، أو نهر صالح للملاحة ومنه ينطلقون من أجل السرقة، وعلى هذا الأساس كانوا يعدون المناطق التي استولوا عليها مناطق الإنطلاق للإغارة والهجوم على المناطق او البلاد المجاورة. لقد كانت هجمات هؤلاء النورمان الدنمركيون بجيش أكثر تنظيما ليسرقوا بشكل أكبر.

يبدو مما تقدم أن العمل الاقتصادي كان دافعا مهما دفع بالنورمان إلى هجماتهم تلك. ولكن لابد أن تكون هناك دوافع أخرى شجعت هؤلاء في هجومهم على الأندلس وغيرها من البلدان، وقد أشار عبدالله عنان إلى ذلك بالفعل في كتابه “ٌدولة الإسلام في الأندلس” فذكر أن ندرة الموارد والثروات وصعوبة العيش فضلا عن حب الغامرة،  كان يدفع بهم دوماً إلى عرض البحر، الأمر الذي يجعلهم خطراً متواصلاً على الشواطئ القريبة والثغور المجاورة. وبالرغم من الخسائر الكبيرة التي منيت بها الأندلس، وما تعرضت له المناطق التي أصابها الضرر في بداية هجوم النورمان، كانت النتيجة النهائية في صالح قرطبة بعد قتال شديد أجبر الغزاة على التراجع بعد أن تكبدوا ألف قتيل وأسر للكثيرين منهم فضلا عن قتل قائدهم.

ومن النتائج الاخرى لهجوم النورمان، بناء سور اشبيلية وتحصينها، إذ تزامن ذلك مع التوسع في جامع قرطبة، إلا أن بناء السور لم يثن من عزيمة الأمير عبدالرحمن بن الحكم في بناء المزيد، والتوسع في الجامع حتى كملا معاً. كما أن هناك نتيجة أخرى تضاف لما تقدم من نتائج تمخضت عن ذلك الهجوم، تتمثل في نمو البحرية الأندلسية؛ إذ ازداد عدد الدور المخصصة لصناعة السفن. وقد ظهرت قدرة هذه البحرية في صد هجوم النورمان الثاني على الأندلس سنة 245هأ / 859م.

ومن النتائج الأخرى لهذا الهجوم تبادل للسفارات بين النورمان والعرب المسلمين في الاندلس. وقد وصل رسل، أو سفراء ملك النورمان إلى قرطبة تطلب الصلح.

 

سفارات الأندلس إلى ممالك أوروبا المسيحية الكاثوليكية،

إبراهيم محمد آل مصطفى،

الطبعة الأولى، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2013.