تقع مملكة بلنسية شرق الأندلس، تجاوِرُ من طرفها الشمالي سرقسطة المحكومة لبني هود في الثغر الأعلى. عاصمتها مدينة “بلنسية”، من حواضر الأندلس، و”شاطبة” من مدن هذه المملكة المهمة. حكم الصقالبة ـ بعد الفتنة العظمى، التي انتثرت بها وحدة الأندلس ـ هذه المملكة مدة من الزمان. ثم حكمها بنو عامر (أبناء الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر)، حين بايع الصقالبة لحكمها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور (سنة 1021). توفي عبدالعزيز سنة 1061 م، فخلفه ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر، الذي تزوج ابنة المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة. وجرت بينهما أحداث انتهت بضم بلنسية وأعمالها إلى مملكة طليطلة، وعهِد المأمون بأمور بلنسية إلى أبي بكر محمد بن عبد العزيز (ابن رَوبش)، وجعله وزيراً ونائباً عنه في حكمها. فأحسن إدارتها وضبط أمورها، وسار سيرةً حسنةً، عدلاً ورفقاً.
توفي المأمون حاكم طليطلة سنة (1075م)، وخلفه حفيده القادر. استقل أبو بكر في حكم بلنسية، وجرت محاولاتٌ من قبل المؤتمن بن هود صاحب سرقسطة لضم بلنسية إليه، كي تغدو مع سرقسطة مملكة قوية. وكانت بينهما صلاتٌ ومصاهرةٌ، إذ تزوج أحمد المستعين بن المؤتمن من ابنة أبي بكر الذي لم يلبث أن توفي سنة (1085 م)، بعد عشرة أعوام من حكم بلنسية، وخلفه في حكم بلنسية وأعمالها ابنه أبو عمرو عثمان.
جرى سقوط طليطلة ـ عاصمة بني ذي النون ـ سنة 1086م، أمام جيش أذفونش السادس ملك قشتالة الذي وعد القادر حاكم طليطلة ـ بعد إخراجه منها ـ أن يعاونه في الاستيلاء على بلنسية، وسار القادر وجماعته صوب بلنسية، برفقة سرية قوية من الجنود القشتاليين، أمدَّه بها أدفونش بقيادة البارهانش أو البرهانس (Alvar Háñez )، ابن أخي رذريق الكنبيطور أو القمبيطور.
أليس عجباً أن أذفونش (الفُنش) ـ الذي ارتكب الجرائم في تخريب طليطلة وإنهاكها لسنوات، ثم إسقاطها، وطرد القادر منها ـ هو الذي يمده بالقوة للاستيلاء على بلنسية؟ لكن الفنش كان يعرف أن تمكين القادر من الاستيلاء على بلنسية سيجعلها وتوابعها تحت حمايته.
وصلت هذه القوة بلنسية لإخضاعها، وجرت مراسلات مع أهلها، ووعودٌ من القادر لهم. انتهى الأمر بالموافقة على مطالب القادر، واستبعاد مطالب أحمد المستعين ابن هود، منافس القادر، وخُلِع أبو عمر وعثمان، ودخل القادر وجنود قشتالة المدينة.
ساءت أحوال بلنسية بسوء السياسة وإرهاق أهلها بالضرائب، لسداد مطالب القشتاليين، الذين كثر عيثهم، وغذت لهم السيادة الحقيقية على المدينة، وغادرها كثير من أعيانها نتيجةً لهذه السياسة الطائشة، التي اتبعها القادر إرضاءاً لأنانيته، ورغبةً في البقاء بمركزه، ولو كان في ذلك ضياع الدين، وانفاض البلد، وإرهاق الناس، وتحت حماية عدو متربص، وخصم غادر.
كانت الأندلس ـ في هذا التاريخ ـ تُقبل على أحداث جديدة، تلك هي استدعاء المرابطين. ثم كانت وقعة (معركة) الزلاقة سنة (1086 م)، حيث كتب الله تعالى النصر الباهر للجيش الإسلامي. بذلك أُنجدت بلنسية، واطمأن أهلها، وتحطمت قوى ملك قشتالة.
لكن بلنسية ما زالت مُقبلة على أيام أخرى شديدة، يرتبط هذا بتاريخ فارس قشتالي مُغامر يبحث عن طالعه، ويسعى لمغنمه. تُشير إليه مصادرنا التاريخية باسم: القنبيطور أو الكنبيطور أو الكبيطور (El Cid Campiador ). اسمه رودريجو (رذريق) دياث دي فيفار (Rodrigo Diaz de Vivar ). من مواليد قرية فيفار، قرب مدينة بُرْغش (Burgos ) عاصمة قشتالة. كان من جنود شانجه، أخي الفنش (ألفونسو السادس) ملك قشتالة وليون.
نُكبت مدينة بلنسية الإسلامية بتخريب رذريق نكبتها الكنبيطورية، وذلك أيام تغلب رذريق المعروف بالكنبيطور على بلنسية، وإحراقه لرئيسها أبي أحمد بن جحاف”.
التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة، عبد الرحمن على الحجي، دار القلم ـ دمشق، الطبعة السابعة 2010.