حلت بمدينة بربشتر Barbastro أيام يوسف المظفر نكبة اهتزت لها الأندلس، اعتبرت من أشد وأفظع ما حدث فيها، لما ارتكبت فيها من أعمال وحشية. هذه الحادثة هي مهاجمة النورمانديين للمدينة، وفتكهم بأهلها، فاتصفت هذه الحملة بطابعها الصليبي. فقد احتلت جماعةٌ من النورمان الوثنيين، الذين دخلوا النصرانية، منطقة في شمالِ غربي فرنسا، سكنوها في بداية (العاشر الميلادي). حملت اسمهم (نورماندي) حصلوا عليها من شارل الثالث الملقب البسيط أو الأبله (Charle le Simple) بعد حروبٍ ومفاوضات (سنة 911). وقائد هذه الحملة جيوم دي مونري (Guillaume de Montreuil) من أكابر فرسان عصره، وقد وفد قبل ذلك على إيطاليا في أواسط القرن الحادي عشر، وخدم الكرسي الرسولي حتى أصبح قائد الجيوش الرومانية والبابوية. ولدينا بعض المصادر ـ منها أوروبية ـ تؤيد أن البابا الإسكندر الثاني هو الذي أشار على النورمان بحرب المسلمين في الأندلس.

احتشدت القوات في ولاية نورماندي لهذا الغرض، مكونة من النورمانديين وجموع كبيرة من الفرنسيين بقيادة جيوم المذكور أو روبرت كرسبن. وتسمّي الرواية الإسلامية قائد الحملة بأسماء: “البيطبين” و”البيطين” و”البيطش” أو “قائد حملة رومة”. سارت الحملة إلى جنوبي فرنسا، متجهة نحو الأندلس. حاصروا أولاً مدينة وَشقة، إحدى مدن مملكة سرقسطة والثغر الأعلى، ولما فشلوا في اقتحامها، تركوها متوجهين إلى مدينة بربشتر، من القواعد الأندلسية المنيعة، فحاصروها (سنة 456 هـ = 1063 م). ويقدر عدد أفراد هذه الحملة بأربعين ألفاً أو يزيدون، واستمر الحصار أربعين يوماً، وجرت معارك عديدة خارج المدينة. لما قلت الأقوات، واشتد الضيق بالمدينة، استطاع النورمنديون ـ بعد قتالٍ عنيفٍ ـ اقتحام المدينة الخارجية. وجرت معاركُ أخرى، وتحصن المسلمون بالقصبة والمدينة الداخلية، مصممين على الثبات حتى آخر رمق. لكن حدث أن تعرض المهاجمون إلى مكان مجرى الماء الأرضي ـ أو دلهم عليه خائنٌ ـ فقطعوه، واشتد بالمدافعين العطش، فعرضوا على النورمانديين التسليم بشروط، فرفضوا. ثم دخلوا المدينة عنوة، واستباحوا المدينة الباسلة بكل ما فيها و من فيها، وقُدِّر عدد القتلى والأسرى بين أربعين ومئة ألف! ثم أعطى قائد الحملة الأمان، لكنه حين رأى كثرة أهل المدينة أمر جنده أن تقلل أعدادهم، حصاداً بالسيف. فأطيح أرضاً بستة ألاف من الرؤوس!؟ ثم إنهم انتهبوا المدينة، واحتلوا دورها لأنفسهم، وارتكبوا أبشع الجرائم قتلاً وهتكاً للأعراض. وكان الخطب “أعظم من أن يوصف أو يُتقصى” كما يقول ابن حيان.

كان لهذه النكبة أثر كبير وصدى عميق، في أنحاء الأندلس كافة. وقام تيار الدعوة إلى الجهاد في أنحاء البلاد الأندلسية واهتز لها الأمراء. والمقتدر بن هود ـ الذي يتحمل الكثير من وزرها ـ في مقدمتهم. ولبى الدعوة كثير، وسار المتطوعون من الجهات إلى الثغر جهاداً في سبيل الله تعالى، فأشرقت النفوس بمعاني الإسلام حين اشتثيرت وعلت الهمم حين تنادت بدعوة الإسلام، فاستجابت لندائه الخالد: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” وهتافه الماجد “الله أكبر” وقامت الأمة المسلمة في وحدتها الإيمانية تسير برسالتها السماوية، تستظل معاني الإسلام تستمدها من كتاب الله تعالى: القرآن الكريم، ومن سُنَّة رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم قائدها وإمامها أبد الآبدين، متجهين إلى الله وحده. حين استثيرت النفوس بهذه المعاني، وساد الجو هذه الدعوة فاستجابت بقوة أزرت بكثرة النورمان المعتدين، فردتهم على أعقابهم، يبحثون عن نجاتهم.

ويذكر ابن عَذاري أن عدد المجاهدين بلغ ستة آلاف، حاصروا مدينة بربشتر، ونجحوا في اقتحامها، وجرت معركة شديدة مُزّق فيها المعتدون. وتم استرداد بربشتر في جمادى الأولى (سنة 457 هـ = 1065 م)، بعد أن دام احتلالها والعيث فيها وإنهاكها تسعة أشهر. وعلى أثر هذا الانتصار تسمّى أحمد بن هود “المقتدر بالله”.

التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة،

عبد الرحمن على الحجي،

دار القلم ـ دمشق ، الطبعة السابعة، 2010.