“إن سمو الأمراء والأميرات وورثتهم، من اليوم وعلى مدى ما يأتي من أيام، يجيزون [لأهل غرناطة] أن يعيشوا على ديانتهم الخاصة، ولن يستحلوا حرمانهم من مساجدهم، وصوامعهم، ولا من مؤذنيهم، ولن يتدخلوا في مؤسساتهم ولا الهبات ذات الصلة بهذه التحملات الدينية، ولن يعملوا على إرباك عاداتهم وتقاليدهم المتبعة… [ويجيزون لهم] إقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم أحد عليهم إلا بشريعتهم، وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك، وأن لا يدخل النصارى دار مسلم ولا يغضبوا أحداً… ولا يدخل النصراني مسجداً من مساجدهم. ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه وماله، ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن، ولا يمنع مؤذن ولا مصل ولا صائم ولا غيره من أمور دينه، ومن ضحك عليه يعاقب …”.
الفصل السادس من معاهدة تسليم مدينة غرناطة

في الثاني من يناير 1492، كان القائدين الإسبانيين الذين سيعمدهما ظهير بابوي بعد ذلك ملكين كاثوليكيين كاثولكيين، يتسلّقان التلة الظليلة المؤدية إلى حاضرة قصر الحمراء. كان الصعود متعباً، وكانت القصور المشرفة على الوادي محصنة بأسوار متينة. ولكن الملكين الكاثوليكيين فردينان وإزابيل، لم يلاقيا أية مقاومة. كانت الجيوش القشتالية قد استولت على هذه المناطق، وكان اقتحام المدينة الإسلامية المحصنة مجرد دخول احتفالي. وقد تقدمت ملكة قشتالة وزوجها ملك أراغون داخل قصور الحمراء، وأعلنوه إقامة ملكية جديدة لهما، ولملوك إسبانيا من بعدهما.
كانت بنود المعاهدة، التي تم على إثرها تسليم المدينة، المعقَل الإسلامي منذ 250 سنة، قد وضعت عدة أشهر من قبل، خلال خريف 1491، في إطار تسوية سرية بين آخر ملوك بني نصر، محمد الحادي عشر، المعروف باسم أبي عبد الله، وبين الملكين الكاثوليكين. وهكذا لم تعرف المدينة حمّام دم، وظلت بلاطاتها الثمينة بمنأى عن الدمار.
لكن بعد فترة وجيزة سيخرق الملكان الكاثولكيان اتفاقيات التسليم المبرمة مع أبي عبد الله. لقد كانت بنود تسليم المدينة، وبالتالي المملكة، تنص بوضوح، كما يظهر من السادس أعلاه، على السماح للمسلمين بممارسة شعائرهم الدينية بشكل مفتوح ودون أي تدخل قمعي من الدولة المسيحية الجديدة التي أصبحوا مواطنيها، لكن ذلك كله تم التراجع عنه.

الأندلس العربية: إسلام الحضارة وثقافة التسامح، بتصرف،
ماريا رُوزَا مينوكال،
ترجمة عبد المجيد جحفة ومطفى جبّاري
دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2006.