يمتد من 97 هـ/ 716م، سنة مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، إلى 138 هـ/ 755 م، سنة مجيء عبد الرحمن الداخل، وهي مرحلة استغرقت حوالي أربعين عاماً تولى فيها حكم الأندلس عشرون والياً، من بينهم عبد الرحمن الغافقي وعبد الملك بن قطن اللذين توليا السلطة مرتين. وكان بعض الولاة لا تستغرق ولايتهم أكثر من شهور معدودة، وذلك إما بقتلهم أو الثورة عليهم وعزلهم.

وكانت الأندلس في هذه الفترة تتلقى التعليمات فيما يتعلق بتعيين الولاة إما من مركز الخلافة في دمشق وإما من الوالي العام لبلاد المغرب الموجود بالقيروان. وإذا ما اقتضت الضرورة فإن بعض التعيينات كانت تتم في الأندلس نفسها ريثما تأتي الموافقة الرسمية من دمشق أو القيروان.

ورغم ما ميز هذه الفترة من اضطراب سياسي، فإن المسلمين استطاعوا أن يكملوا فتح الأندلس، ويؤسسوا الكثير من دعائم النهضة فيها، كبناء المساجد لأداء شعائرهم الدينية، والقناطر والطرق التي كانت تقتضيها المواصلات سواء العسكرية أو المدنية، وشبكات الري باعتبار أن الزراعة كانت المورد الرئيسي للسكان، خاصة وأن الأندلس معروفة بكثرة أنهارها وعيونها وآبارها.

وسنقف عند أهم الأحداث التي تركت بصماتها واضحة في هذه الفترة متتبعين التسلسل الزمني لتعيين الولاة.

1-أيوب بن حبيب اللخمي (97 هـ/716م ): بعد اغتيال عبد العزيز بن موسى بن نصير تم الاتفاق على تعيينه كخلف له، إذ كانت له مكانة مرموقة في المجتمع، وهو ابن أخت موسى ابن نصير، وقد دامت فترة حكمه أربعة اشهر  فقط، وهي فترة لا تعد شيئا بالنسبة لعمر الدول والشعوب، ولذلك لم يحقق الرجل فيها شيئاً ذا بال غير نقله للعاصمة من إشبيلية إلى قرطبة بحكم موقعها وسط الأندلس.

2- الحر بن عبد الرحمن الثقفي (97 هـ ـ100هـ/ 716 م-719م): اقتصر عمله على  فض النزاعات بين العرب والبربر، ومقاومة القوط في الشمال، كما أصلح الجيش. وهناك من المؤرخين من يقول إنه غزا بلاد غالة ووصل إلى مدينة ناربونة. ومهما كان الأمر فإنه مهد طريق الفتح لمن جاء بعده. عزله الخليفة عمر بن عبد العزيز

3-السمح بن مالك الخولاني (100هـ 102هـ/ 719م- 721م): بعد أن عينه عمر بن عبد العزيز على الأندلس طلب منه أن يصفها له، لأنه لم يكن يعرف شيئاً عنها، وعندما وصف له أحوالها وأوضاعها وأهميتها وحسن حال أهلها، أوصاه بالعدل بين الناس والرفق بهم وتخميس الأراضي الزراعية، وتوزيع بعض الأراضي على بعض المزارعين مناصفة في الغلة. هذا فيما يتعلق بالإصلاحات الداخلية، أما فيما يتعلق بالفتوحات فإن الرجل أولاها أهمية كبيرة، لأن أولى المحاولات الجادة في فتح بلاد غالة كانت على يده، إذ كان يعد فتح بلاد الفرنجة جهاداً في سبيل الله، وقد بث هذه الروح في جيشه فاقتنع بها، وهكذا انطلق من برشلونة عابراً جبال البرانس، ففتح ناربونة وطرقونة وغيرهما. وقد نهج السمح سياسة حكيمة في البلاد التي فتحها كما أوصاه عمر بن عبد العزيز، فعامل أهلها معاملة مبنية على المحبة والتسامح وحرية المعتقد، الشيء الذي جعلهم يكنون له وللمسلمين احتراماً وتقديراً، خاصة وأنهم كانوا يفتقرون إلى تلك المعاملة من طرف حكامهم النصارى. بعد ذلك توجه إلى الشمال الغربي حيث مقاطعة أكيتانيا، فدخل عاصمتها “تولوز” التي دارت فيها معركة حامية بين المسلمين والفرنجة والتي مات فيها عدد كبير من المسلمين بمن فيهم السمح بن مالك في 9 ذي الحجة 102هـ/10 يونيو 721م.  وكان من بين قواده في المعركة رجل سيكون له شأن كبير في الأندلس هو عبد الرحمن الغافقي الذي استطاع بذكائه وشجاعته وتجربته الحربية أن ينقذ ما تبقى من الجيش بالعودة إلى ناربونة.

4-عبد الرحمن الغافقي ( الولاية الأولى) (102هـ/721م): بعد هزيمة المسلمين في طلوشة اختاروه والياً عليهم، إلا ان ولايته هذه لم تدم أكثر من شهرين، إذ أنه جاء في مرحلة انتقالية بعد موت السمح بن مالك.

5-عنبسة بن سحيم الكلبي (103هـ ـ 107هـ/ 721م ـ 725م) عينه والياً على الأندلس والي بلاد المغرب بشر بن صفوان الكلبي خلفاً لعبد الرحمن الغافقي بعد هزيمة طلوشة. مرت البلاد في عهده بمرحلة دقيقة إذ كانت هناك صراعات قبلية بين العرب القيسيين والعرب اليمنيين، وكذلك بين العرب والبربر، لذلك قضى أربع سنوات من ولايته يرتب أمور البلاد في خلق توازن بين أهلها، كما عمل على مواجهة خطر النصارى في إقليم اشتورياش في الشمال حيث ظهر ثائر يقال له “بلايو” Pelayo كان يريد إرجاع مجد النصارى، ولذلك اختار مكاناً مرتفعاً عرف بالصخرة (أصبح فيما بعد يعرف بصخرة “بلايو”) كان في أعلاها مغارة استحال على العرب الوصول إليها لوعورتها هي مغارة “كوفادونجا”. ومنها كانت الهجومات تتوالى على المسلمين من حين لآخر، وفي سنة 103هـ/721م أرسل قائده علقمة بن عامر اللخمي على رأس جيش  لمواجهة هذا الخطر، إلا أن صعوبة المحيط الجغرافي أوقعته في كمين دبر له، فكانت النتيجة أن قتل علقمة وشرد جيشه في هذه المعركة التي سميت بمعركة “كوفادونجا”. وقد حاول عنبسة أن يسترجع ما خسره في هذه المعركة، إلا أنه لم يستطع للأسباب التي ذكرناها من قبل، إضافة إلى انشغاله بالحرب في غالة، وهكذا لم يعد المسلمون يفكرون في العودة إلى هذه المنطقة، فخلا الجو ل”بلايو” الذي سيصبح ملكا عليها بعد موت عنبسة.

وفي سنة 106هـ/725م توجه عنبسة نحو الشمال مجتازاً جبال البرانس، فدخل قرقشونة ونيمة واتجه نحو نهر الرون، ففتح ليون وماكون وشالون واوتون وديجون وهناك من يقول إنه وصل إلى سانس التي لا تبعد كثيراً عن باريس، وفي سانس اعترض طريقه اسقفها، وكان عنبسة قد استنفذ جزءاً كبيراً من طاقته وذخيرته، لذلك قرر العودة إلى قرطبة حتى يرى ما حدث فيها من اضطرابات، وبينما هو في طريق العودة اعترضته مجموعة من الفرنجة فدخل معها في حرب استشهد فيها سنة 107هـ/725م، فتولى  مساعده  عذرة بن عبد الله الفهري قيادة الجيش والعودة به إلى ناربونة.

ومما كان يعاب على عنبسة أنه لم يكن يترك حاميات عسكرية في المدن التي دخلها، وهكذا سرعان ما بدأت المدن التي فتحها تتساقط الواحدة تلو الأخرى. ويعد عنبسة الفاتح الذي وصل إلى أبعد نقطة في بلاد الفرنجة.

6- عذرة بن عبد الله الفهري (107هـ/725م): نصبه الأندلسيون عليهم بصفة مؤقتة ريثما يأتي التنصيب الرسمي من دمشق أو القيروان، ولذلك لم تدم ولايته أكثر من شهرين لم تتح له فرصة تحقيق أي شيء سوى بعض الغارات التي كان الهدف منها السلب والنهب مما خلف الخوف والرعب في صفوف المسيحيين والمسلمين على السواء.

7-يحيى بن سلمة الكلبي (107هـ-110هـ/726م-728م): رغم أنه حكم سنتين ونصف، إلا أنه لم يخلف أثراً يذكر.

8-حذيفة بن الأحوص القيسي ( 110 هـ/728م): عينه على الأندلس عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، والي بلاد المغرب، والصراع القبلي بين القيسيين واليمنيين قائم، دامت ولايته حوالي نصف العام لم يحقق خلالها هو الآخر شيئاً.

9- الهيثم بن عبيد الكلابي (الكناني 111هـ/729م): رغم أنه اشتهر بالشجاعة والحزم إلا أنه لم يستطع ترسيخ الأمن في البلاد لأنه كان معروفاً بتعصبه للقيسيين (لشاميين) ضد اليمنيين، حتى إنهم ثاروا ضده، وكادت البلاد تغرق في حمام من الدم لولا أن المنية وافته مبكراً بعد أن قضى خمسة أشهر في الولاية، كما أن الخليفة هشام بن عبد الملك تدارك الموقف وعين بدله محمد بن عبد الله الأشجعي.

10- محمد بن عبد الله الأشجعي (111هـ/730م) لم تدم ولايته أكثر من شهرين.

11- عبد الرحمن الغافقي ( الولاية الثانية) ( 112هـ ـ 114هـ/ 730م- 732م): تولى الولاية الثانية بعد عشرة أعوام من الولاية الأولى، خبر فيها الشيء الكثير، وقد كان قائداً بكل ما تحمله الكلمة من معاني القيادة، كالتجربة العسكرية والجرأة والشجاعة والعدل. ولم يكن متعصباً لانتماء قبلي معين، فجال ربوع الأندلس، وحقق فيها توازناً واستقراراً، كما أنه أقنع الجميع بفكرة الجهاد التي جند روحه لها منذ أن كان قائداً مع السمح بن مالك الخولاني، ولهذا اعتنى بالجيش وعمل على تقويته بعناصر جديدة، بعد أن كان العديد من الجنود قد تحولوا إلى عصابات متخصصة في السطو على أملاك الناس.

ولابد من الإشارة إلى شيء كان له أثر سلبي على مسيرة عبد الرحمن الجهادية، ذلك أن أحد القادة البربر يدعى مونوسة، تزوج من ابنة دوق أكيتانيا “أودو” الذي أبرم معه معاهدة يتعهد مونوسة بمقتضاها بمنع المسلمين من الهجوم عليه، وكان مونوسة يحكم المنطقة الشمالية من الأندلس، وعلى أثر تلك المعاهدة أخبر مونوسة صهره سراً بتقدم عبد الرحمن نحوه. وقد علم هذا الأخير بالوشاية وأمر بقتل مونوسة، مما خلف أثراً سيئاً في نفوس البربر من جيشه.

وفي أوائل 114هـ/732م خرج عبد الرحمن الغافقي من بنبلونة في جيش قيل إنه كان يقدر ب 70.000 جندي معظمهم من البربر متوجهاً إلى مقاطعة اكيتانيا، ففتح أكبر مدنها وهي آرل وطلوشة، وواجه الدوق “أودو” عند مدينة “بوردو” فهزمه، واستولى رجاله  على ذخائر ونفائس الكنائس والأديرة فيها، واتجه بعد ذلك نحو مدينة “تور” حيث دير “سان مارتان” المشهور هو الآخر بكنوزه ونفائسه. ومن هناك تابع سيره إلى أن وصل إلى مدينة “بواتييه”. ولما علم “أودو” بخطر عبد الرحمن، انضم إلى شارل مارتل محافظ  قصر مملكة الفرنجة والرجل القوي في تلك مملكة، رغم الخلاف الذي كان بينهما. وقد استغل مارتل هذه الفرصة لأن ما كان يشغل باله هو القضاء على الزحف الإسلامي، فأطلقها صرخة مدوية باسم الدين حيث اجتمع لديه جيش كبير من افرنج وألمان وبلغار.

أُخبر عبد الرحمن بضخامة ذلك الجيش، وكان يعلم المشاكل والعراقيل التي قد تواجهه إن هو دخل في حرب ضد شارل مارتل وأودو، خصوصاً أن مركز الإمدادات في قرطبة كانت تفصله عنه مئات الكيلومترات، ثم أن جيشه أعيته الفتوحات، كما أنه كان مثقلاً بالغنائم التي كان يجرها معه، هذا بالإضافة إلى الشقاق الذي وقع في صفوف جيشه المكون من أغلبية بربرية، بعد مقتل مونوسة، عدا البرد القارس والأمطار التي تعرفها المنطقة في فصل الخريف والتي لم يتعود عليها المحارب المسلم.  لكن لا مفر مما لابد منه، ففي أوائل رمضان 114هـ/أكتوبر 732م، التقى الجيشان في معركة بالقرب من مدينة بواتييه في مكان يقال له البلاط، وكانت معركة حامية أصيب فيها عبد الرحمن الغافقي بسهم قتله، وبموته حدث اضطراب وارتباك في صفوف الجيش مما سهل المأمورية على جيوش الفرنجة الذين قتلوا الكثير من الجيوش الإسلامية، ولم تنج منهم سوى فئة خرجت في جنح الظلام قاصدة ناربونة حيث قاعدة المسلمين، ونظراً لكثرة القتلى في صفوف المسلمين سميت المعركة ببلاط الشهداء، ولقب شارل بعدها بشارل مارتل (المطرقة) بعد أن أنعم عليه البابا جرجوري الثالث بهذا اللقب.

12- عبد الملك بن قطن الفهري (الولاية الأولى) (114هـ- 116هـ/732م- أكتوبر 734م): كان لهزيمة جيوش المسلمين في بلاط الشهداء أثر سيء سواء في الأندلس أو في المشرق، فأراد هشام بن عبد الملك أن يعين على الأندلس والياً يتميز بالحدة والصرامة، فاختار عبد الملك بن قطن الذي استطاع أن يعيد تنظيم الجيش ويتلافى آثار الهزيمة، حيث استغل انشغال شارل مارتل بمشاكله الداخلية وعمل على استرجاع بعض المدن والمعاقل في بلاد الإفرنج بادئا ببلاد الباسك شمال الأندلس، إلا أن الرجل كان يتميز بالظلم والجور بين رعيته فعزله والي مصر وإفريقية عبد الله بن الحبحاب وعين بدله عقبة بن الحجاج السلولي.

13- عقبة بن الحجاج السلولي ( 116هـ-121هـ/734م-739م): كان من بين القادة الكبار الذين عرفتهم الأندلس في عصر الولاة. عمل أولاً على استتباب الأمن في البلاد، وألقى القبض على عبد الملك بن قطن وسجنه وفرق أنصاره. وبعد أن استقرت له الأوضاع تفرغ للجهاد، فقوى جيشه، وركز نشاطه العسكري بالدرجة الأولى على المنطقة الواقعة بين نهر الرون وجبال الألب، فاستولى على “آرل” و”فالنس” و”أفنيون” و”ليون” واقترب من إيطاليا. وقد أحس شارل مارتل بخطورته فتحالف مع ملك اللومبارديين في شمال إيطاليا، حيث اجتمع له جيش ضخم توجه به إلى “افنيون”، فاضطر عقبة إلى التراجع إلى ناربونة فتقدم إليه شارل مارتل، ولما علم عقبة بذلك بعث جيشاً عن طريق البحر، إلا أن مارتل اعترضه وقضى عليه، ولم تنج إلا فئة قليلة. وقد استغل عبدالملك بن قطن الفرصة  للقيام  بانقلاب في قرطبة ضد عقبة.

14-عبد الملك بن قطن الفهري (الولاية الثانية) “( 123هـ-124هـ/741م-742م): أهم ما ميز هذه الفترة في الأندلس هو ثورة البربر على العرب والذين استأثروا بالسلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ أن أهم المناصب الإدارية كانت بأيديهم كما انفردوا بالمناطق الخصبة في السهول وعلى ضفاف الأنهار، بينما اكتفى البربر بالمناطق النائية والجبلية، ومع ذلك كانت الضرائب التي تفرض على البربر تفوق تلك التي تفرض على العرب، وهكذا ظهرت ثورات بربرية في مناطق مختلفة من الأندلس كجليقية واسترقة وطليطلة وقرطبة والجزيرة الخضراء. وعبثاً حاول عبد الملك أن يقضي على هذه الثورات، لذا لم يبق أمامه إلا أن يستعين ببلج بن بشر بن عياض القشيري الذي لم يكن يطيقه والذي كان محاصراً من طرف البربر في سبتة، وقد اشترط عبد الملك على بلج شروطاً مفادها أنه بعد القضاء على البربر في الأندلس عليه أن يعود مع قومه إلى سبتة، كما اشترط عليه أن يترك عنده رهائن في جزيرة أم حكيم. وقد رضخ بلج لهذه الشروط مكرهاً، فعبر البحر مع قومه الشاميين والذين كانوا يقدرون بحوالي 10 آلاف رجل استطاعوا أن يقضوا على الثوار في معركة دارت رحاها عند وادي سليط بالقرب من الجزيرة الخضراء سنة 124هـ/741م. إثرها توجه عبد الملك إلى قرطبة ثم إلى طليطلة حيث هزم الثوار البربر، بعد ذلك طلب عبد الملك من بلج أن يخرج من الأندلس هو وأهله، فقبل بلج شريطة أن تكون قبلتهم تونس وليس سبتة، وكان عبد الملك إنما يريد أن يعيد بلج إلى بربر طنجة للقضاء عليه. وشاءت الأقدار أن مات أحد الرهائن واتهم عبد الملك بذلك، فهجم أنصار القتيل عليه في قصره وأخرجوه منه وأسكنوه في دار يقال لها دار أبي أيوب، بعد ذلك قتلوه وصلبوه، وصلبوا معه خنزيراً عن يمينه وكلباً عن يساره احتقارا له، ثم تولى بلج الولاية بعده.

15- بلج بن بشر بن عياض القشيري ( 124هـ/742م): خلف مقتل عبد الملك بن قطن موجة من السخط والغضب في الأندلس، سواء من طرف ابنيه قطن وأمية أو من طرف اليمنيين بصفة عامة، أو من طرف عبد الرحمن بن علقمة اللخمي الذي كان عامل عبد الملك على ناربونة. وقد انضم هؤلاء إلى البربر الأندلسيين الذين كانوا يتلهفون على الثأر من الشاميين الذين نكلوا بهم تحت قيادة بلج، أضف إلى ذلك أن بعض أصحاب بلج والذين كانوا ضد التنكيل بعبد الملك، خرجوا عليه وانضموا إلى قطن وأخيه أمية، والتقى الجيشان في مكان يقال له “اقوة برطورة” بالقرب من قرطبة قتل فيه بلج بن بشر كما انهزم جيشه.

16- ثعلبة بن سلامة العاملي (124هـ-125هـ/742م-743م): نصب بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك، وبالرغم من أنه كان معروفاً باتزانه واعتداله، إلا أنه كان ضعيف الشخصية وهو ما أثر على محدودية سلطته، مما أتاح للشاميين وأنصارهم أن يحاصروه في ماردة في يوم عيد الأضحى من سنة 124 هـ/14 أكتوبر 742م. إلا أن مساعدة عسكرية جاءته من نائبه في قرطبة، سمحت له بمباغثة أعدائه الذين ألحق بهم هزيمة نكراء. وقد بطش بالشاميين وسبى نساءهم وأطفالهم وشيوخهم، وكان يبيعهم بأبخس الأثمان، حتى قيل أنه باع رجلاً بكلب. كما عاث رجاله فساداً في الأرض، فاستنجد بعض الأندلسيين بحاكم القيروان حنظلة بن صفوان الكلبي ليرفع عنهم الضرر. وبعد أن استشار هذا الأخير الخليفة هشام، عين عليهم والياً أبا الخطار بن ضرار الكلبي.

17- أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي ( 125هـ-128هـ/743م-746م): دخل الأندلس ومعه ثلاثون رجلاً من أعوانه، واستطاع أن يجمع كلمة المسلمين وأن يوحد العرب والبربر، وقضى على الفتنة، وأخرج رؤوسها من الأندلس كثعلبة بن سلامة العاملي والوقاص بن عبد العزيز الكناني وعثمان بن أبي نسعة الخثعمي وغيرهم من القواد، وأمرهم بالتوجه إلى طنجة، كما قام بتوزيع الشاميين المتمركزين بقرطبة على نواح متعددة ومتفرقة من الأندلس تشبه بيئتهم، ويستفيدون في نفس الوقت من غلاتها الزراعية الشيء الذي نال رضاهم، وأفرج عن الأسرى وقلد ابني عبد الملك مناصب إدارية مهمة في الشمال. وطلب من الأندلسين الامتثال لأوامره والعمل يداً في يد ضد عدو مشترك هو النصارى الذين تقووا بسبب الصراعات الداخلية بين المسلمين.

إلا أن أبا الخطاب سيميل إلى اليمينيين على حساب القيسيين، وذلك عندما احتكم إليه رجلان أحدهما قيسي والآخر يمني فحكم لصالح هذا الأخير، رغم أن الحق كان بجانب الأول. وعندما تدخل زعيم القيسيين الصهيل بن حاثم لدى أبي الخطاب لم يستصغ هذا تدخله وأهانه في قصره، فخرج الصهيل غاضبا وهو ينوي الانتقام لشرفه، فجمع أنصاره والتقى مع أبي الخطاب في واد لكة بالقرب من شذونة في رجب 127هـ/ أبريل 745م. وقد وقعت مواجهة  انهزم فيها أبو الخطار وفر من المعركة، إلا أن رجال صهيل تعقبوه وألقوا عليه القبض وأودعوه السجن، ثم نصب الصهيل ثوابة بن سلامة الجذامي مكانه بعد موافقة والي القيروان عبد الرحمن بن حبيب الفهري.

18- ثوابة بن سلامة  الجذامي (128هـ-محرم 128هـ/746م- 746م): عاشت الأندلس فترة هادئة خلال تولي ثوابة رغم أنها كانت فترة قصيرة. وتجب الإشارة إلى أن زمام الأمور لم تكن بيد ثوابة وإنما بيد الصهيل الذي سيصبح من أبرز  رجالات الأندلس.

19ـ عبد الرحمن بن كثير اللخمي (129هـ-746م): لم يذكر المؤرخون شيئاً عنه سوى أن الأندلس بقيت بدون وال بعد ثوابة فاختاروه والياً عليهم لبضعة شهور.

20- يوسف بن عبد الرحمن الفهري ( 129هـ-138هـ/ 747م-755م): تعد ولايته أطول ولاية في الأندلس خلال هذه المرحلة الأولى من الوجود الاسلامي، إذ دامت تسع سنوات. وسواء اختاره أهل الأندلس عليهم أم عينه الصهيل، فإن يوسف كان رجلاً  كبير السن ضعيف الشخصية ذا خصال حميدة. اقترح عليه الصهيل أن يكون مستشاره وأن تكون ليوسف الإمارة. لكن الصهيل بدهائه أصبح هو الآمر الناهي والحكم المطلق بينما يوسف يتلقى الأوامر وينفذها أو يزكي قرارات الصهيل. وليتخلص يوسف منه، بعث به والياً على سرقسطة حتى يذل أصحابها اليمنيين فيصطدم بهم، إلا أن الصهيل بذكائه ودهائه فطن لخطة يوسف وعامل أهل سرقسطة عكس ما كان ينتظر يوسف، فارتاحوا إليه وعلا شأنه بينهم.

قام يوسف خلال ولايته بإصلاحات إدارية وسياسية، حيث قسم البلاد تقسيماً إدارياً جديداً وجعلها خمسة أقاليم، كما اهتم اهتماماً كبيراً بالجيش لقمع كل تمرد داخلي ولحماية الثغور في الشمال من النصارى، كما أصلح الطرق.

هذا فيما يتعلق بالأوضاع الداخلية، أما فيما يتعلق بخارج الحدود فإن مشاكل كثيرة اعترضته، ففي سنة 134هـ/752م حاول “ببين الثالث” ابن “شارل مارتل” أن يحاصر ناربونة حيث كان المسلمون هناك معزولين عن الإدارة المركزية في قرطبة، وحيث كان يوسف منشغلاً بأوضاع الأندلس الداخلية وغير مهتم بالمناطق الشمالية، مما تسبب في عداوة بينه وبين عبد الرحمن اللخمي حاكم ناربونة فتآمر عليه يوسف وقتله.

وفي عام 136هـ/753م استغل الفونسو الأول ملك “اشتورياش” انشغال يوسف بمشاكله الداخلية فكان يقوم بمهاجمة المسلمين من حين لآخر، كما قام بطردهم من جليقية واشتورياش إلى الأبد، فتقلصت بذلك أراضي المسلمين وتوسعت أراضي النصارى وتقوت شوكتهم بعد أن انضمت إليهم قوى نصرانية أخرى، ثم كانت ثورة بنبلونة في 138هـ/755م. وكانت بنبلونة ذات موقع استراتيجي بالنسبة ليوسف، إذ كانت المعبر الرئيسي للجيوش الإسلامية المتوجهة إلى بلاد الفرنجة أو العائدة منها. ونظراً لقلة العدد والعدة في صفوف المسلمين انهزم جيشهم هناك فخرجت من قبضتهم.

في هذه الأثناء بدأ عبد الرحمن الداخل يؤسس دولته وستدخل الأندلس عهداً جديداً من تاريخها هو عصر الإمارة الأموية.

المصادر:

-       محمد سهيل طقوس، تاريخ المسلمين في الأندلس، دار النفائس، بيروت، 2008

-       عبدالرحمن علي الحجي، التاريخ الأندلسي (من الفتح الاسلامي حتى سقوط غرناطة)، دار القلم دمشق، 2010

-       حسين مؤنس، موسوعة تاريخ الأندلس (تاريخ، وفكر، وحضارة، وتراث)، ج 1 ، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الثانية، القاهرة، 2006.

-       إبراهيم بيضون، الدولة العربية في إسبانيا من الفتح حتى سقوط الخلافة، دار النهضة العربية، بيروت، 1978.

- عبدالعزيز سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة،. دار النهضة العربية، بيروت، 1988.

 

انظر الرابط: معركة بلاط الشهداء