إن حركات التمرد الموريسكية المتعددة التي ظهرت خلال القرن السادس عشر في عدة أقاليم إسبانية، وخاصة ثورة أهل غرناطة بمذابحها الرهيبة، قد عمقت الكراهية بين المسيحيين القدامى والمسيحيين الجدد أو الموريسكيين، هذا بالإضافة إلى حالات الاغتيال الفردية التي ارتكبها موريسكيون بدافع الانتقام الشخصي والتي كان العامل الديني يؤثر فيها كحافز. لقد ثبت بوضوح إذن كيف كان التعايش بين المسيحيين والمسلمين خلال الفترة التي نتحدث عنها عنيفا، تخلله المشاكل الخطيرة. كيف نفسر ذلك التعبير الكبير بين الطرفين؟ أليس ذلك الأمر غامضا، إذا تذكرنا الهدوء الذي تميز به التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الممالك المسيحية خلال العصور الوسطى؟. من المحتمل أن يكون مواطنو الممالك المسيحية المسلمون قد تعلموا من تجاربهم الماضية وكان يحدوهم الأمل في ألا تتأثر معتقداتهم بقرارات حكومية يمليها الوضع السياسي على الملوك ومجالسهم. إن اعتقاد الموريسكيين في سلامة تصرفاتهم وسلوكهم الخلقي-الذي اعترف به معاصروهم المسيحيون- كان يؤكد لهم عدم تعرضهم لقوانين صارمة تمس أقدس ممتلكاتهم-أعني العقيدة- التي ورثوها ككنز، والتي حافظوا عليها كل المحافظة. كان هذا الأمل تعززه حقيقة ثبتت وهي إمكانية التعايش بين عناصر اجتماعية تدين بأديان مختلفة. ولهذا-إزاء القوانين الأولى التي تحد من حريتهم الدينية-لم يكن بإمكانهم الاستسلام بسهولة للتنصير، وهم يعلمون أن أجدادهم قد احتفظوا-في ظل التسامح-بدينهم وفقهائهم ومارسوا كل شعائر الديانة المحمدية علانية.

   ظهرت عوامل جديدة عقدت الوضع. لما عاش المسلمون خاضعين للسلطة المسيحية ينعمون بحرية العقيدة لم تكن هناك مبررات للثورة. وقد تقبلهم الجانب المسيحي، ولكن عندما تحول المسلمون إلى مسيحيين في الظاهر فقط- كنتيجة للسياسة الذي اتبعها معهم الملكان الكاثوليكيان-بدأ المسيحيون القدامى يبغضونهم ويرون فيهم خونة لعقيدتهم يسعون إلى عودة السلطة الإسلامية على تلك الأراضي. وبالفعل استطاع الموريسكيون الظهور بمظهر من غير دينه، لكن ذلك لم يصل إلى قلب الموريسكي إلا نادرا. كانوا يحافظون على الدين المسيحي ظاهريا حتى لا تقدم ضدهم شكوى. أما في ثنايا ضمائرهم وفي أعماق قلوبهم فكانوا ينفرون من الجانب التمثيلي الذي تضفيه الديانة المسيحية على العبادة، وكانوا يحلون محلها التراث الذي تتضمنه الديانة المحمدية. كان الموريسكيون ملتزمين بتعاليم دينهم الذي يسمح بالتظاهر باتباع المسيحية-إذ اضطروا إلى ذلك مكرهين ولم يبتعدوا حقيقة عن الإسلام-وقد ظلوا بعد تحولهم الظاهري مسلمين أوفياء. أما قدامى المسيحيين-المنتشون بلذة النصر على المسلمين في ميدان الحرب بعد كفاح طويل-فقد أظهروا همة تزداد يوم بعد يوم في أن يمارس الموريسكيون المعمدون شعائر الدين المسيحي الذي اعتنقوه. وكان من الشائع أيضا ألا يكتفي الموريسكيون بالإعراب عن اتباع الديانة المحمدية لأنها دين آبائهم، فكانت الغيرة الدينية تدفعهم إلى نشر الإسلام بين المسيحيين القدامى مما كان يقدم سببا آخر للخلاف.

    وهناك سبب آخر يصعب من مهمة تحويل المسلمين إلى المسيحية. إذ كانت الديانة المعتنقة في أي بلد-بدرجة متفاوتة من الحماس-تترك أثرا في العادات، فإن الشعوب التي تدين بالإسلام يحدث معها نفس الشيء ولكن بشكل خاص، فكل مظاهر حياة هذه الشعوب متعلقة بالشعور الديني. وعليه فإن كثيرا من عادات مسلمي إسبانيا، كان مصدرها الديانة المحمدية. وعندما سعى البعض إلى تخليهم عنها أظهروا رفضا حيا أثبت بوضوح تأصل الشعور الديني فيهم.

   ولمواجهة المشكلة الخطيرة فكر البعض في تنصير المسلمين واستهل ذلك بتعليمهم الدين المسيحي. وعندما اقتنع الرهبان والمبشرون وأعضاء محاكم التفتيش بأن الجهود المبذولة في هذا الشأن لا تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود تولدت لدى الملوك الإسبان فكرة الطرد، كانت عملية الطرد إلى جانب ذلك تؤدي إلى تفادي خطر عدو منزلي إزاء النزاعات التي قد تنشأ في الخارج، لكننا لا نعتقد أن تلك هي الأسباب الرئيسية. إن الرغبة في نقاء العقيدة وتجنب تأثر المسيحيين القدامى هي الفكرة الأساسية التي تكمن وراء عملية الطرد النهائي.

حياة الموريسكيين الدينية، بيدرو لونغاس، الطبعة الأولى، القاهرة 2010